في ظل اتساع الرقعة الصحراوية وشبه الصحراوية في محافظة كربلاء المقدسة، وتراجع معدلات الأمطار وقلة الموارد المائية السطحية الدائمة الجريان، برزت الآبار المائية بوصفها أحد أهم البدائل الاستراتيجية لمواجهة التحديات المائية وضمان استدامة النشاط الزراعي والحياتي في المحافظة.
وتشير موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، إلى أن الاعتماد على الآبار المائية، سواء السطحية التي يقل عمقها عن (20) متراً أو الارتوازية التي يتجاوز عمقها هذا الحد، لم يكن خياراً ثانوياً، بل ضرورة فرضتها الظروف الطبيعية والمناخية القاسية التي تعاني منها كربلاء منذ عقود.
ووفقاً للموسوعة، فقد شهدت كربلاء توسعاً ملحوظاً في حفر الآبار خلال العقود الأخيرة، بالتزامن مع تناقص الموارد السطحية، إذ ارتفع عدد الآبار من (262) بئراً عام 1986 إلى (737) بئراً عام 2000، وصولاً إلى (1837) بئراً عام 2013، في مؤشر واضح على تنامي الاعتماد عليها كمصدر رئيس للمياه.
وتتوزع هذه الآبار على مختلف الوحدات الزراعية في المحافظة، إلا أن كثافتها تتركز ضمن ثلاث نطاقات مائية رئيسة شكّلت الدعامة الأساسية للزراعة والري.
أول هذه النطاقات هو نطاق كربلاء – النجف الذي يمثل العمود الفقري للآبار، ورغم حداثة حفره نسبياً منذ عام 1985، إلا أنه حظي باهتمام واسع من المزارعين لغزارة إنتاجه المائي الذي يتراوح بين 10–15 لتراً في الثانية، مع عمق معتدل يتراوح بين 50–60 متراً، حيث تتخذ هذه الآبار امتداداً شريطياً بمحاذاة الطريق العام، ما سهّل استثمارها في النشاط الزراعي.
أما النطاق الثاني في الأهمية فهو كربلاء – الأخيضر غربي المدينة، حيث تُستخدم مياهه في خدمة الزراعة المحمية وإرواء منطقة الحزام الأخضر المحيط بمدينة كربلاء من الجهة الغربية بطول 27 كيلومتراً وعرض 100 متر، حيث يُعد محور (كربلاء – معمل الثرمستون) الممتد بطول 18 كيلومتراً من أبرز مناطق هذا النطاق لغزارة مياهه وأهميته البيئية والزراعية.
ويأتي نطاق الأخيضر – عين التمر في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية، والذي يتميّز بوجود عيون مائية طبيعية إلى جانب الآبار ذات الأعماق الكبيرة التي تتراوح بين 70–150 متراً، وتتسم مياه هذا النطاق بارتفاع تراكيزها الأيونية، ما يجعل خصائصها مختلفة مقارنة ببقية المناطق، ويؤثر في طبيعة استخداماتها الزراعية.
وتُظهر تحليلات نوعية مياه الآبار تبايناً من منطقة إلى أخرى تبعاً لطبيعة الصخور الحاوية للمياه ونوع التربة والنشاطات البشرية المجاورة، إلا أن الغالبية العظمى من هذه المياه ملائمة للإنتاج الزراعي، ولا سيما في الزراعة المحمية التي تعتمد أسلوب الري بالتنقيط، إضافة إلى ملاءمتها للترب الرملية المنتشرة في المحافظة.
وتؤكد البيانات الإحصائية أن الآبار المائية أدّت دوراً محورياً في توسيع المساحات المزروعة، وأسهمت في تعزيز الأمن الغذائي المحلي، رغم التحديات البيئية والمناخية.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشَامِلَةُ، المحور الجغرافي، ج1، 2017، ص202-204.