لم تكن كربلاء المقدسة مدينة للثورة الروحية فحسب، بل كانت على الدوام حاضنة للكلمة الوطنية الحرة، ومهداً لشعراء حملوا همّ الوطن في قصائدهم، وواجهوا الظلم بالشعر كما يواجهه الثائر بالسلاح، ومن بين أولئك الشعراء، يبرز اسم "عباس مهدي أبو الطوس" بوصفه واحداً من أكثر الأصوات الشعرية صدقاً واشتباكاً مع قضايا الحرية والكرامة.
وُلد الشاعر الوطني الخالد عباس أبو الطوس عام 1930م في مدينة كربلاء، وترعرع في أجوائها العلمية والدينية، وتتلمذ على يد الشاعر الشعبي الكبير الشيخ "عبد الكريم الكربلائي" في صحن أبي الفضل العباس (عليه السلام)، حيث تشكلت مبكراً ملامح شخصيته الشعرية المرتبطة بالناس، والمعبرة عن آلامهم وآمالهم.
واصل "أبو الطوس" دراسته الدينية لفترة، ثم هاجر إلى النجف الأشرف، قبل أن يعود إلى كربلاء حاملاً رسالة شعر ثوري، نابعة من إحساس وطني عميق، جعله في مقدمة الشعراء الذين ارتبطت قصائدهم بالفعل النضالي لا بالترف الأدبي.
ويشير الباحث "سلمان هادي آل طعمة" في كتابه "شعراء من كربلاء" إلى أن حياة "عباس أبو الطوس" لم تكن حياة شاعر منعزل، بل مسيرة مناضل حقيقي، شارك في وثبة عام 1948م، ووثبة تشرين 1952م، وكان حضوره في تلك الأحداث سبباً مباشراً لشهرته، كما كان سبباً لاعتقاله وزجّه في سجون بغداد والكوت، حيث تنقّل بين الزنازين بسبب مواقفه المناهضة للظلم والاستعمار.
ومن قلب السجون، كتب "أبو الطوس" واحدة من أصدق قصائده الوطنية، والمعنونة بـ "من وحي السجون"، التي تحولت إلى بيان شعري للحرية، يقول فيها:
باعماق السجون نظمت شعري ومن وحي المعارك لا القصور
ومن ظلماتها احتشدت ثقالاً علي كأنها ظلم القبور
نظمت الشعر لا كسباً لمال ولا طلباً لجاه في الأمور
نظمت الشعر للوطن المفدى وللشعب المقيد كالأسير
وقد احتلت الوطنية مكاناً واسعاً في تجربته الشعرية، فكتب عن العراق بوصفه الأمل والغاية والهوية، قائلاً في إحدى قصائده عام 1948م:
وما وطني سوى أملي المرجى وغاية ما أحب وما اداني
ولو أني صبوت هوى وشوقاً صبوت لحبه لا للغواني
بلاد الرافدين فدتك نفسي وأهلي ما تبقي الرافدان
ولم تغب قضية فلسطين عن وجدانه، شأنه في ذلك شأن كل شاعر عربي وطني في تلك المرحلة، فكانت قصائده نداءً للتحرير ومواجهة المشروع الاستعماري، إذ يقول:
فلسطين تناديكم بنفسي تكاد تهد زقرتها الجبالا
وتدعوكم لنصرتها فهبوا كما شاءت لنصرتها امتثالا
وفي صباح يوم السبت 26/12/1958م، رحل عباس أبو الطوس بعد مرضٍ لم يمهله طويلاً، لتنطفئ شمعة كانت توشك أن تضيء طريقاً طويلاً من الكفاح الوطني، وقد أبّنه الشاعر "هادي محمد الشربتي" بقصيدة مؤثرة، عكست مكانته الأدبية والإنسانية.
برحيله، انطوت صفحة مشرقة من صفحات الوطنية في شعر كربلاء، لكن أثره بقي حياً في القصائد، وفي ذاكرة المدينة التي أنجبت شعراء لم يساوموا على الوطن، وجعلوا من الشعر سجلاً للمقاومة وضميراً للتاريخ.
المصدر: العطار، توفيق حسن، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، 2015، ص21-24.