في ذاكرة كربلاء العلمية، يبرز اسم السيد "محمد مهدي الشهرستاني" بوصفه واحداً من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، وعنواناً راسخاً لنهضةٍ علميةٍ وإصلاحيةٍ امتد أثرها إلى الحوزة والروضة الحسينية معاً، حيث فقد شكّل حضوره العلمي، وعطاؤه الإصلاحي، ومؤلفاته الرصينة، ركناً أساسياً من أركان المشهد الديني والفكري في كربلاء المقدسة.
وُلد العلّامة الكبير السيد "محمد مهدي بن أبي القاسم الموسوي الشهرستاني الأصفهاني الكربلائي" سنة 1130هـ في مدينة أصفهان، غير أن التحولات السياسية الكبرى، ولاسيما سقوط الدولة الصفوية واستيلاء الأفاغنة على أصفهان، دفعته في ريعان شبابه إلى شدّ الرحال نحو كربلاء المقدسة، حيث وجد فيها حاضنة العلم والاستقرار، ومعه انتقلت أسرته وأقرباؤه ليستقروا في المدينة، التي سرعان ما أصبحت موطنه العلمي والروحي الدائم.
وفي كربلاء، استقر السيد الشهرستاني في محلة "باب السدرة" القريبة من صحن الإمام الحسين (عليه السلام)، والتي كانت تُعرف آنذاك بمحلة "آل عيسى"، إحدى المحلات الأربع التاريخية للمدينة، وهناك بدأ مسيرته العلمية المتقدمة، متتلمذاً على كبار علماء عصره، من أعلام الفقه والأصول والحديث، فنهل من علومهم، وروى عنهم، ونال إجازاتهم، ليغدو لاحقاً واحداً من أبرز أساتذة الحوزة في زمانه.
اشتهر السيد الشهرستاني بسعة علمه وتنوع اختصاصاته، إذ برز في التفسير والحديث والفقه واللغة، وأصبحت دروسه مقصداً لطلاب العلم، الذين تخرج على يديه عدد كبير منهم، ليحملوا لاحقاً مشعل المعرفة إلى أجيال جديدة، ولم يقتصر عطاؤه على التدريس والتأليف، بل امتد ليشمل الإصلاح العمراني والديني في الروضة الحسينية الشريفة.
ومن أبرز إنجازاته الإصلاحية إلحاق الجامع الكبير بالروضة الحسينية، بما عزّز من دور الصحن الشريف كمركز علمي مفتوح للبحث والدراسة، فضلاً عن بنائه جامعاً خارج الصحن قرب "باب الصافي"، في خطوة عكست اهتمامه بتوسعة رقعة التعليم الديني وخدمة الزائرين وطلبة العلم.
أما على صعيد التأليف، فقد ترك السيد الشهرستاني عدداً من المصنفات العلمية المهمة، من أشهرها كتاب "الفذالك في شرح المدارك"، وكتاب "المصابيح" في الفقه، إلى جانب حواشٍ ورسائل علمية، منها حاشيته على كتاب "المفاتيح"، وتفسيره لبعض سور القرآن الكريم، ورغم أن أغلب هذه الأعمال بقيت مخطوطة، إلا أنها تعكس عمقاً علمياً ومنهجاً دقيقاً في البحث والاستدلال، وقد اطّلع عليها عدد من الباحثين من ذريته.
وفي يوم 12 صفر سنة 1216هـ، أسدل الستار على حياة حافلة بالعلم والخدمة، إذ توفي السيد "محمد مهدي الشهرستاني" في كربلاء، ودُفن في مقبرة خاصة شُيّدت له ولأسرته داخل الحضرة الحسينية المطهرة، خلف قبور الشهداء، في موضع يليق بمكانته العلمية ومقامه الروحي.
وقد خلدت كتب التراجم والتاريخ اسمه، وتناولت سيرته مؤلفات عديدة، عربية وفارسية، بوصفه أحد أعمدة النهضة العلمية في كربلاء، وعالماً جمع بين الدرس والتأليف، والإصلاح والخدمة، ليبقى حضوره حياً في ذاكرة المدينة التي احتضنته واحتضنها.
المصدر: الجبوري، كامل سلمان، وثائق الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، 2025، ص261.