لم تكن مأساة كربلاء حدثاً عابراً في وجدان الأمة، بل جرحاً مفتوحاً استدعى رجالاً آمنوا بأن دم الإمام الحسين (عليه السلام) لا يمكن أن يُترك بلا قصاص. ومن بين هؤلاء الرجال الأفذاذ، برز المختار بن أبي عبيدة الثقفي بوصفه واحداً من أبرز الرجال الذين حملوا راية الثأر الحسيني، ونظموا صفوف الشيعة، وأعلنوا الثورة بوجه السلطة الأموية الجائرة، وفاءً للحسين وآل بيته وصحبه الأطهار.
وتشير موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث إلى أن المختار الثقفي كان شخصية إشكالية في بداياته، إذ اختلفت الروايات حول توجهاته الأولى، إلا أن الثابت تاريخياً أن موقفه الحاسم من الثورة الحسينية شكّل نقطة التحول الكبرى في مسيرته، حين أيقن بعد دراسة الموقف أن الوقوف مع الإمام الحسين (عليه السلام) هو الموقف الحق الذي لا يقبل المساومة.
ومع استعداد الإمام الحسين (عليه السلام) لإعلان ثورته، انخرط المختار في صفوف شيعة الكوفة الذين كتبوا إلى الإمام يدعونه للقدوم، وأثبت ولاءه العملي من خلال موقفه المتضامن مع سفير الحسين الشهيد مسلم بن عقيل (عليه السلام)، حيث استضافه في داره، وهو ما دفع السلطة الأموية إلى اعتقاله لاحقاً، في دليل واضح على انحيازه للنهج الحسيني.
وتؤكد المصادر التاريخية أن المختار حظي بمكانة خاصة لدى محبي أهل البيت، حتى إن الروايات نقلت ترحم الإمامين علي بن الحسين ومحمد الباقر (عليهما السلام) عليه، وهو ما عزز صورته بوصفه أحد أنصار القضية الحسينية بعد الفاجعة.
في العام 66هـ، وبعد أن أعدّ المختار نخبة من أبناء الكوفة والقبائل العربية الموالية لأهل البيت، توجه مع أنصاره إلى كربلاء، حيث وقفوا عند مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، وأقسموا عند القبر الشريف على الثأر من القتلة، رافعين الشعار الذي هزّ الوجدان الشيعي: "يا لثارات الحسين".
وكان هذا الشعار بمثابة صرخة أيقظت ضمائر الآلاف من شيعة العراق، ولا سيما أولئك الذين حُرموا من نصرة الحسين بسبب السجون والملاحقات التي فرضها الحكم الأموي، فالتفوا حول المختار بوصفه قائداً لمرحلة القصاص.
وقبل إعلان الثورة، بعث المختار رسالة إلى محمد بن الحنفية، يطلب تأييده ومباركته، فجاءه التأييد وإن تعذّر الحضور، لتبدأ بعدها واحدة من أخطر المراحل في تاريخ الصراع مع قتلة كربلاء.
بعد نجاح الثورة وسيطرة المختار على زمام الأمور، أصدر أوامره الصارمة بملاحقة قتلة الإمام الحسين (عليه السلام)، ممن كانوا حتى وقت قريب يشغلون المناصب العليا ويتوارون بعد الجريمة، حيث انطلقت فرق الثوار في تتبع آثارهم، حتى تم اعتقال المئات بل الآلاف منهم، واقتيادهم إلى المختار. وهناك، واجههم بسؤال واحد: ماذا فعلتم بالحسين وأصحابه؟
كانت اعترافاتهم توثيقاً دامياً لجريمة كربلاء، وحين تنتهي رواياتهم، كانت الأوامر تصدر بلا تردد، لتنفيذ القصاص العادل بحقهم، انتقاماً لدماء العترة الطاهرة وأصحاب الإمام الحسين الذين سُفكت دماؤهم ظلماً.
هكذا خُلّد المختار الثقفي في الذاكرة التاريخية بوصفه قائد ثورة الثأر الحسيني، ورمزاً لمرحلة أعادت التوازن المعنوي لشيعة أهل البيت، وأكدت أن دم الحسين (عليه السلام) لم يذهب هدراً، وأن كربلاء لم تكن نهاية الطريق، بل بدايته.
المصدر: زميزم، سعيد رشيد، رجال ثأروا لدم الحسين، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، 2021، ص50-53.