فالخصوصية الثقافية لكربلاء ليست طارئة، بل هي من أقدم الثقافات وأكثرها وضوحًا في الخزين الحضاري والفكري العالمي، وتحمل في مرونتها الفِكرية امكانية التفاعل مع الثقافات الأخرى ضمن مفاهيم التراث العالمي والخصوصية المحلية لكونها مشروع ثقافي منفتح على الثقافات الأخرى وليست منطوية على مكوناتها، والسبب في ذلك انها تتبنى مبدأ الحق وفكرة الصمود بوجه الظلم والتضحية أمام محاولات سحق إرادة وكرامة الانسان مهما كلفت تلك التضحيات باتخاذ تضحيات الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء انموذجًا ثوريًا انسانيًا قلّ نظيره. وهذا ما يعني أن هوية كربلاء الثقافية هي في الحقيقة تحمل ما يؤهلّها لتكون أساسًا للعولمة الثقافية السامية أخلاقيا لكونها مثال ناضج للقيم التي لا بد أن يتبناها الضمير الإنساني ويضعها جوهرًا عقائديا يستقي منها ايديولوجياته على مستوى المجتمعات وكذلك الأفراد، ناهيك عن المنظمات التي تتبنى حقوق الإنسان فلن تجد أسمى من هوية ثقافية تنتمي الى مبادئ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وبما يتجاوز الحدود التقليدية للهويات الثقافية التي لا تتجاوز مجتمعها المحلي.
ولا بد لمن يعتني بالهوية الثقافية لمدينة كربلاء من الإدراك أن عولمة الثقافات ليست وسيلة لتدمير الهويات الثقافية الجزئية، بل تحفزها لتتفاعل مع المتغيرات وأن تكون بصمتها فيها واضحة وكذلك آثارها في تفاصيل تلك المتغيرات لتصبح جزءًا كبيرا من الثقافة التي تسود العالم، وتعريف نفسها من خلال وسائل الانتشار الحديثة وامكانيات التواصل البشري المفتوح ومواجهة تحديات التهميش والضمور بدوام تفاعلها ثقافيا وتكييف أدواتها بما يلائم لغات وأساليب الطرح المتجددة وتخطيط متقن للموازنة بين الحداثة والأصالة وفق متطلبات الضمير الإنساني.
كما ان تفاعل الهوية الثقافية مع الثقافات الأخرى لا يعني تعرضها الى تهديد تكويني بقدر ما يوفر فرصة لتكون أكثر عصرنة في ملامحها دون المساس بجوهرها العقائدي والأخلاقي والتراثي.
ويؤدي التوثيق الرقمي الانتقائي والذكي لمراسم الزيارات في عاشوراء وفي مسيرة الأربعين المباركة وما يرافقها من سلوك انساني مهذّب رفيع المستوى الى التمكين من الحصول على حافظة تواصلية وإعلامية عالمية توظفها الجهات المعنية بالحفاظ على الهوية الثقافية لمدينة كربلاء للتعريف بالقيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية الأصيلة المتمظهرة في هذه الشعائر بعدة مظاهر كمجالس العزاء، والمواكب، وكل ما يعزز الانتماء الروحي الثقافي الى الهوية الكربلائية واستمرار الموروث الديني زمنيًّا وانتشاره جغرافيا وأن يكون له وجود راسخ ومؤثِّر في العولمة وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي في توثيق الشعائر ونشرها عالميًا لتكون جزءًا أساسيا من ثقافة العالم.
وهذه المتبنيات لا بد منها وفق نظرية (الدفاع بإثبات وجود الذات) في مواجهة انتشار الثقافات المناوئة من خلال وسائل الاتصال والتواصل المفتوح لصد التهديد الخطير على القيم المرتبطة بالهوية الثقافية لمدينة كربلاء والنجاح في كسب صراعها مع الجانب المظلم لبعض الثقافات العالمية التي تحاول إذابة الهويات ذات المبادئ السامية في مفاهيم لا أخلاقية ومغريات تحاول التسلل من خلال شعارات وطروحات مشبوهة.