يقع عگد السراجين خلف سقا خانة باب قبلة مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) في مدينة كربلاء المقدسة، وهي السقا خانة التي ارتبطت بذاكرة الزائرين لما مثلته من موردٍ للسقيا والبركة. ومن خلفها ينفتح زقاقٌ عريق، عُرف تاريخياً بعگد السراجين، ليشكّل أحد الممرات الحرفية والتجارية المهمة في النسيج العمراني القديم للمدينة.
البنية المكانية وأبرز المعالم
يبدأ الزقاق من جهة (مكتبة السعادة) للسيد سعيد زيني، التي مثّلت محطة للكتاب والمطبوع، وإلى جوارها (مطعم الشرق) لصاحبه (أبو سجاد)، الذي اشتهر بتقديم الكباب، وكان الطابق العلوي من المطعم يوفر إطلالة مباشرة على حركة الزقاق، مما أضفى على المكان بعداً اجتماعياً يتجاوز كونه مرفقاً خدمياً.
عند مدخل العگد، تتجاور المظاهر الدينية والحرفية؛ إذ وُجد محل كبير لطباعة الأكفان وختمها بدرجات الطبع المعروفة، والى جانبه محلات السراجة التي منحت الزقاق اسمه، حيث كانت تُصنع سروج الخيول ولوازمها بأيدي حرفيين مهرة، من أبرزهم الحاج إسماعيل السراج. وتتابع المحلات في نسق متصل، من محل عصام (أبو وسام) وحسن محفوظ، وصولاً إلى محلات الحلويات عند أبي علاء الشكرجي والحاج حميد الشكرجي المطلّة على الشارع الرئيس.
كما شهدت زوايا العگد حضوراً لافتاً للباعة المتجولين، لاسيما النسوة اللواتي كنّ يفترشن الأرض لبيع المواد تقليدية مثل الحنّة، وطين الخاوة المستخدم في غسل الشعر، والديرم لزينة الشفاه، في صورة تعكس بساطة الاقتصاد المحلي وروحه التكافلية.
الحِرَف والصناعات اليدوية
اشتهر عگد السراجين بصناعة الجلود ومستلزماتها، حيث برع السراجون في إنتاج (الهميان) المصنوع من جلود الجاموس والأبقار، لما يتطلبه من متانة لتحمّل السفر والاستعمال الطويل. كما صُنعت فيه قراب المسدسات وأحزمة الظهر، بخياطة يدوية باستخدام المخارز والخيوط المشمعة، لتلبية احتياجات الوجهاء وأصحاب المهن المختلفة.
وضمّ العگد أيضاً محل الحاج علي الصيگل (أبو صبري)، المتخصص في تنظيف وتصليح الأسلحة، والذي عُدّ مقصداً لأبناء كربلاء وأقضيتها، لما عُرف عنه من دقة وخبرة. كما عُرف بوجود محلات لبيع الأقمشة، منها محل (أبو زهير الكعبي)، الذي مثّل فضاءً اجتماعياً لتبادل الأخبار والأحاديث اليومية.
ويُذكر أن العگد كان يضم مقاماً يُنسب إلى الإمام علي (عليه السلام)، مما أضفى على المكان بعداً روحياً خاصاً، جمع بين قدسية الجوار وطبيعة النشاط الحرفي.
البعد الاجتماعي والرمزي
لم يكن عگد السراجين مجرد فضاء مهني، بل شكّل حاضنة اجتماعية وثقافية، تجسدت فيها قيم الأمانة والإتقان والصبر، التي كانت تُعدّ معياراً لجودة العمل قبل العائد المادي. وقد عُدّ الزقاق بمثابة مدرسة شعبية للحرف اليدوية، تُنقل فيها الخبرات بالتجربة والملازمة، وتُصان فيها تقاليد الصنعة.
وفي أواسط سبعينيات القرن العشرين، اكتسب العگد بعداً سياسياً ورمزياً، حين خرج منه آخر موكب تطبير متحدياً القيود المفروضة آنذاك، رافعاً لافتة حملت عبارة: «إن التشيع ثورة وجهاد». وقد أعقب ذلك حملة اعتقالات ومنع للشعائر، غير أن الحادثة بقيت راسخة في ذاكرة المكان، بوصفها تعبيراً عن ارتباط الشعائر بالهوية والموقف.
التحولات العمرانية والذاكرة
شهدت المنطقة لاحقاً تغييرات عمرانية واسعة أدت إلى إزالة السقا خانة وتبدّل معالم العگد، إلا أن الذاكرة الشعبية ما زالت تحتفظ بتفاصيله: رائحة الجلود المدبوغة، ومذاق حريرة (أبو هاشم) الذي اعتاد الجلوس عند مدخل الزقاق منذ أواخر السبعينيات، وأصوات الحرفيين وهم يزاولون أعمالهم في محلاتهم المتجاورة.
وهكذا يبقى عگد السراجين شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ كربلاء الاجتماعي والمهني، إذ اختزل في مساحته المحدودة صورة المدينة القديمة بما حملته من بساطة العيش، وعراقة الحرفة، وقوة الموقف، ليغدو نموذجاً دالاً على تداخل المكان بالهوية في الوعي الكربلائي المعاصر