ووفق ما وثقته موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، فقد اشتهرت الهريسة في كربلاء كوجبة صباحية تقليدية، يفضّلها الأهالي في فصل الشتاء لما تحتويه من سعرات حرارية عالية، نتيجة إضافة السمن المغلي والسكر والدارسيني، إلى جانب مكوناتها الأساسية من جريش الحنطة واللحم والحمص والماء، حيث تُهرس هذه المكونات على النار لساعات طويلة حتى تشتد وتتماسك، في عملية تحتاج إلى صبر ومهارة وخبرة متوارثة.
وأوضحت الموسوعة، أنه خلال العقود الممتدة من ما قبل ثلاثينيات القرن الماضي وحتى خمسينياته، كانت الهريسة تُصنع وتُباع في دكاكين ومحال خاصة داخل الأسواق والمناطق الشعبية القديمة، حيث تتصاعد رائحتها الزكية من القدور الكبيرة، لتجذب المارة مع ساعات الصباح الأولى، كما ارتبطت الهريسة بالمناسبات الدينية والنذور، إذ كانت بعض العوائل تطبخها في قدور ضخمة تُنصب في الأزقة أو على أرصفة الشوارع، بمشاركة أبناء المحلة في عمليات الطبخ والهرس، ثم تُوزع مجاناً على الأهالي وعابري السبيل، في مشهد يعكس روح التكافل التي عُرفت بها مدينة الحسين (عليه السلام).
وفي شهر رمضان المبارك، تكتسب الهريسة حضوراً خاصاً على موائد الإفطار والسحور، إذ يفضلها بعض الصائمين لما تمنحه من طاقة غذائية تعينهم على تحمّل ساعات الصيام الطويلة، فطبق الهريسة لا يمثل مجرد طعام، بل طقساً اجتماعياً يعيد وصل الحاضر بالماضي، ويستحضر ذاكرة المحلات والأسواق العتيقة.
كما اشتهرت بعض العوائل الكربلائية بمهارتها في إعداد الهريسة، في حين ذاع صيت عدد من المحال المتخصصة في بيعها داخل أسواق المدينة القديمة، لا سيما في سوق الزينبية وساحة الميدان وسوق المخيم وسوق العباس وساحة البلوش وباب طويريج، بالإضافة إلى مواقع قريبة من الصحن الحسيني الشريف، حيث شكّلت هذه المحال علامات مميزة في الخريطة الشعبية للمدينة.
وهكذا تبقى الهريسة الكربلائية أكثر من وجبة تقليدية، لتتحول الى حكاية صبرٍ على النار، وذاكرة أزقة، ونكهة رمضان التي تختلط فيها حرارة القدور بدفء القلوب في مدينةٍ عُرفت بخصوصيتها الدينية والاجتماعية عبر الأجيال.
المصدر: موسوعة كربلاء الحضارية، المحور الاجتماعي، ج1، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، ، 2020، ص215-216.