لطالما شكّلت مدينة كربلاء المقدسة محطة روحية بارزة يقصدها الزائرون من مختلف البلدان، ولا سيما خلال شهر رمضان المبارك، حيث تتضاعف أجواء العبادة والزيارة في رحاب مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام).
وفي صفحات التاريخ، وثّقت موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث إحدى الرحلات اللافتة التي ارتبطت بهذا المسار الروحي، عندما توجّه رابع حكام إيران القاجارية، ناصر الدين شاه (١٨٣١ - ١٨٩٦م) إلى العراق في القرن التاسع عشر، لتكون كربلاء إحدى أهم محطات زيارته.
تبدأ تفاصيل هذه الرحلة في الرابع والعشرين من تشرين الثاني عام 1870، عندما وصل الشاه إلى بغداد وسط استقبال رسمي وشعبي واسع، حيث لم يقتصر الترحيب على المسؤولين، بل امتد إلى شيوخ العشائر والوجهاء والمثقفين، في مشهد عكس أهمية الزيارة في تلك الحقبة، وكان من بين الذين احتفوا بالمناسبة أحد كبار علماء بغداد، المفتي "محمد فيضي الزهاوي" الذي نظم قصيدة باللغة الفارسية عبّر فيها عن الامتنان لهذه الزيارة، مشيراً إلى أن بغداد أصبحت محل إعجاب المدن الأخرى بعد هذا التشريف.
وفي مذكراته، يصف الشاه مشهد الاستقبال الذي حظي به في بغداد مطلع شهر رمضان المبارك، حيث اصطفت القوات العثمانية على جانبي الطريق المؤدي إلى مقر الحاكم، بينما احتشد الأهالي ملوّحين بأيديهم تحيةً للضيف القادم، كما يروي مشاعره عندما لمح منائر مرقد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) من بعيد، في إشارة إلى المكانة الروحية التي تمثلها العتبات المقدسة في العراق.
كما وصف بعض المراقبين الأجانب أجواء الوصول إلى بغداد، مشيرين إلى أن الطريق الذي مرّ به موكب الشاه كان يعج بالسكان والجنود وطلبة المدارس الذين اصطفوا بملابس رسمية أنيقة، فيما تقدمت الموكب فرق موسيقية ووحدات عسكرية إيرانية خاصة، في مشهد احتفالي يعكس الطابع الرسمي للزيارة.
وبعد أيام قليلة، غادر الشاه بغداد متوجهاً نحو كربلاء، مروراً بعدد من المدن والمراقد الدينية، في خطوة هدفت إلى إظهار حسن النية واحترام مختلف الرموز الدينية في البلاد، وقد دوّن في مذكراته تفاصيل الرحلة التي تضمنت أيضاً المرور بمدينة المسيب الواقعة على نهر الفرات، مشيراً إلى برودة الطقس وجودة الطرق التي كانت تسمح للعربات بالسير بسهولة.
وخلال الطريق، مرّ الموكب بعدد من الخانات التي كانت تُعد محطات استراحة للمسافرين المتجهين إلى كربلاء، ومنها خان زاد، وخان محمودي، وخان بئر النص، وخان مزراقجي، حيث كانت هذه الخانات تمثل آنذاك مراكز ضيافة مهمة للحجاج والزائرين، وقد وصف الشاه بعض هذه الأماكن بأنها عامرة وجميلة، وتقع بالقرب من مواقع دينية معروفة، مثل ضريح أولاد مسلم الذي كان يُرى بوضوح على الطريق.
وعندما وصل الموكب إلى المسيب، انتشرت القوات لحراسة الطريق، بينما أُقيمت الخيام لاستراحة الضيوف بعد أن بدأ الليل يحل وتلبدت السماء بالغيوم، وفي تلك الأثناء، وصلت أخبار وصول الشاه إلى مدينة سيد الشهداء (عليه السلام)، مما دفع عدداً من علمائها ووجهائها إلى التوجه نحو المسيب لاستقباله والترحيب به قبل دخوله المدينة.
يذكر أن الوفد الكربلائي قد ضم شخصيات دينية واجتماعية بارزة، جاءت لتقديم التحية والترحيب بالضيف القادم لزيارة العتبات المقدسة، حيث تشير المصادر إلى أن الشاه أمر قبل مغادرته نحو كربلاء بترميم وتزيين مشهد ولدي مسلم، في خطوة تعكس اهتمامه بالمواقع الدينية الواقعة على طريق الزائرين.
وتبقى هذه الرحلة إحدى الشواهد التاريخية التي تعكس المكانة الروحية لمدينة كربلاء المقدسة، إذ ظلت عبر القرون قبلة للزائرين والملوك والعلماء، خصوصاً في المواسم الدينية الكبرى وشهر رمضان المبارك، حيث تمتزج الذاكرة التاريخية بالروحانية في مدينةٍ لا تنقطع عنها قوافل الزائرين.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية الشَامِلَةُ، المحور التاريخي، التاريخ الحديث والمعاصر، 2020، ج10، ص 109-.211