«من كثر كلامه كثر خطؤه، و من كثر خطؤه قلّ حياؤه، و من قلّ حياؤه قل ورعه، و من قلّ ورعه مات قلبه، و من مات قلبه دخل النار».
إنّ كثرة الكلام دون تثبت هو أحد الانحدارات الشخصية الأخلاقية، فمن كثر كلامه بلا تروي و بلا ضوابط أو حدود يقع في الزلات و الهفوات و ما لايليق فيكثر خطؤه.
و إذا كثر خطؤه و تكاثرت زلّاته و عثراته خفّت حساسيته في ارتكاب الذنوب و قلّ حياؤه و خجله و احتشامه، فيتعامل مع الأمور القبيحة دون حياء.
فإذا قلّ حياؤه يقل ورعه و تقواه و التزامه بالأعمال الحسنة و الوقوف على حدودها، و يتخبط في الرذائل و العيوب و الذنوب، و يقع في المعاصي فضلا عن الشبهات و المكروهات العرفية و الشرعية، و يقع في الحرام و المحرمات.
و من قلّ ورعُه و وقع في الحرام و المعاصي مات قلبُه و انعدمت فضائله و محاسنة.
و من مات قلبه دخل النّار، قال أمير المؤمنين عليه السلام «مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ، وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ»1 .
و إذا تم حذف الحدود الوسطى من الجمل تصبح نتيجة القياس «مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ دَخَلَ النَّارَ»، فمن كثر كلامه كثر خطؤه، و من كثر كلامه قلّ حياؤه، و من كثر كلامه قلّ ورعه، و من كثر كلامه مات قلبه، و من كثر كلامه دخل النّار.
فكثرة الكلام تزيد من الأخطاء، و السكوت أو الصمت و ضبط اللسان يقلّل من الأخطاء و الذنوب، و زيادة الأخطاء تقلّل من الحياء و هو حالة نفسية يشعر معها الإنسان بالحرج أو الذنب من ارتكاب عمل ما فالحياء نوع من المنع أو الردع النفسي للإنسان يدفعه إلى الورع، و مع فقدان الرادع النفسي و الرقابة الداخلية يقلّ أو ينهار هذا الحاجز الذي يبعد عن المعصية و يحافظ على الورع و التقوى فيضعف الضمير و تزداد الجرأة على المعاصي و يسقط الإنسان في الذنوب دون أن يتأثر نفسيا و دون أن يتحرك ضميره و الرواية عن النبي (ص) «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»2 .
فإذا سقط الإنسان في الذنوب مات قلبه و ضميره فلا يخشى الله و لا يخافه و لا يرى المنكر منكرا و لا المعروف معروفا و لا يتأثر بموعظة و لا يحده قبيح و لا شائن، و ينغمس بالمعاصي و تكون عاقبة أعماله النّار.
و في الحكمة تنبيه إلى عدم الاستخفاف بما قد يراه الإنسان من صغائر الذنوب و الحذر حتى من المباحات، و قد يتكلم الإنسان دون أن يدرك أنّ كلامه مع كثرته أو عظم أخطائه يهوي به إلى المصير الأسود.
و قد يتكلم الإنسان قليلا و لكنه يفتن به كثيرا «وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ»3 ، فالكلام القليل قد يؤدي أيضا إلى عواقب وخيمة و نتائج كبيرة إذا كان سلبيا و محرما.
و أنّ ضبط اللسان و الكلام أول عتبات النجاة فلا ينبغي إهمالها و إن كانت تبدو صغيرة أو تقديرها بأقل من حجمها الطبيعي، و لا ينبغي الاستخفاف بصغائر الأمور التي قد تتراكم و تصبح كبيرة قد تدخل صاحبها النّار.
و الأصل في الحكمة تنبيه و تحذير من كثرة الكلام، و دعوة إلى تقليله و الاقتصاد فيه لما يسبب من أخطاء و ذنوب، فإذا ما اقتصد الإنسان في الكلام فلم يتحدث إلا إذا كان كلامه مفيدا و حسنا و ضروريا كان النّاس أنصت إليه و أكثر اهتماما بكلامه و به، و كان عندهم أكثر محبوبية و هيبة.
و النتيجة هي أنّ كثرة الكلام الخطأ تكثر الخطايا و الذنوب و تدخل صاحبها النّار، و الحكمة تدعو إلى الالتزام بالكلام المفيد النافع، و ترك الكلام المُضِرّ المسيء، و الامتناع عن الكلام الزائد و ما لا فائدة فيه من هراء و فضول و ثرثرات، و الكلام الشامل للكذب أو الغيبة، أو النميمة أو الفتنة أو غيرها من سوء و قبيح الكلام.
و في رواياتهم عليهم السلام إنّ الكلام الكثير سبب للذنوب و الآثام و دخول النّار، فعن النّبي الأكرم (ص) «وَ هَلْ يُكِبُّ اَلنَّاسَ فِي اَلنَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»4 ، و عنه (ص) قال: «إنّ أكثَرَ النّاسِ ذُنوبا يَومَ القِيامَةِ أكثَرُهُم كلاما فيما لا يَعنيهِ»5 ، و عن أمير المؤمنين (ع) «إِيَّاكَ وَ الْهَذَرَ، فَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَتْ آثَامُهُ»6 .
و يقابل الكلام السكوت أو الصمت و تبيّن بعض الروايات فضلهما، و لكن بالمقارنة بين الكلام و الصمت فإنّه ليس أحدهما أفضل على الاطلاق من الآخر، فليس الكلام أفضل مطلقا و لا السكوت أفضل مطلقا، بل الكلام أفضل من السكوت مع خلوهما من الآفات، و الرواية في أفضلية الكلام على السكوت تروى عن الإمام زين العابدين (ع)، فقد سئل الإمام علي بن الحسين (ع) عَنِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ (عليه السلام) لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آفَاتٌ، فَإِذَا سَلِمَا مِنَ اَلْآفَاتِ فَالْكَلاَمُ أَفْضَلُ مِنَ اَلسُّكُوتِ.
قِيلَ وَ كَيْفَ ذَاكَ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ؟
قَالَ لِأَنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَا بَعَثَ اَلْأَنْبِيَاءَ وَ اَلْأَوْصِيَاءَ بِالسُّكُوتِ إِنَّمَا بَعَثَهُمْ بِالْكَلاَمِ، وَ لاَ اُسْتُحِقَّتِ اَلْجَنَّةُ بِالسُّكُوتِ، وَ لاَ اُسْتُوْجِبَتْ وَلاَيَةُ اَللَّهِ بِالسُّكُوتِ، وَ لاَ تُوُقِّيَتِ اَلنَّارُ بِالسُّكُوتِ، وَ لاَ تُجُنِّبَ سَخَطُ اَللَّهِ بِالسُّكُوتِ إِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْكَلاَمِ.
وَ مَا كُنْتُ لِأَعْدِلَ اَلْقَمَرَ بِالشَّمْسِ، إِنَّكَ تَصِفُ فَضْلَ اَلسُّكُوتِ بِالْكَلاَمِ، وَ لَسْتَ تَصِفُ فَضْلَ اَلْكَلاَمِ بِالسُّكُوتِ 7.
فالكلام أحسن ما خلق الله إذا كان حقا و صوابا و أقبح ما خلق الله إذا كان باطلا و خطأ، و قد سئل أمير المؤمنين عليه السلام «أَيُّ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اَللَّهُ أَحْسَنُ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اَلْكَلاَمُ، فَقِيلَ أَيُّ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اَللَّهُ أَقْبَحُ؟ قَالَ اَلْكَلاَمُ، ثُمَّ قَالَ بِالْكَلاَمِ اِبْيَضَّتِ اَلْوُجُوهُ وَ بِالْكَلاَمِ اِسْوَدَّتِ اَلْوُجُوهُ»8 .
و الكلام و إن كان مفيدا و حقا و لكن له وقته و ظرفه و أهله و مناسباته، و في الرواية قال الإمام الحسين عليه السلام لابن عباس يوما: «لاَ تَتَكَلَّمَنَّ فِيمَا لاَ يَعْنِيكَ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ اَلْوِزْرَ، وَ لاَ تَتَكَلَّمَنَّ فِيمَا يَعْنِيكَ حَتَّى تَرَى لِلْكَلاَمِ مَوْضِعاً فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْحَقِّ فَعِيبَ»9 .
و في نهج البلاغة روي عن أمير المؤمنين (ع) قوله «لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ، بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»10 .
و روي عنهم عليهم السلام: «مَا كُلُّ مَا يُعْلَمُ يُقَالُ، وَ لاَ كُلُّ مَا يُقَالُ حَانَ وَقْتُهُ، وَ لاَ كُلُّ مَا حَانَ وَقْتُهُ حَضَرَ أَهْلُهُ»11 .
و في تفسير الإمام العسكري عليه السلام قال: قال محمد بن علي الباقر (ع): دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ اَلزُّهْرِيُّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ زَيْنِ اَلْعَابِدِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ كَئِيبٌ حَزِينٌ فَقَالَ لَهُ زَيْنُ اَلْعَابِدِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: مَا بَالُكَ مَهْمُوماً مَغْمُوماً قَالَ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ هُمُومٌ وَ غُمُومٌ تَتَوَالَى عَلَيَّ لِمَا اُمْتُحِنْتُ [بِهِ] مِنْ جِهَةِ حُسَّادِ نِعْمَتِي، وَ اَلطَّامِعِينَ فِيَّ، وَ مِمَّنْ أَرْجُوهُ وَ مِمَّنْ قَدْ أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ فَيَخْلُفُ ظَنِّي. فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ [زَيْنُ اَلْعَابِدِينَ] عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : اِحْفَظْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ تَمْلِكْ بِهِ إِخْوَانَكَ. قَالَ اَلزُّهْرِيُّ : يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهِمْ بِمَا يَبْدُرُ مِنْ كَلاَمِي.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ إِيَّاكَ وَ أَنْ تُعْجَبَ مِنْ نَفْسِكَ بِذَلِكَ، وَ إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِمَا يَسْبِقُ إِلَى اَلْقُلُوبِ إِنْكَارُهُ، وَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ اِعْتِذَارُهُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تُسْمِعُهُ نُكْراً أَمْكَنَكَ أَنْ تُوَسِّعَهُ عُذْراً»12 .
و بحفظ اللسان عن الخطأ و الزلل يبعد الإنسان نفسه عن النّار، و بالكلام المفيد و النافع يقترب إلى الجنّة، و إذا لم يستطع الإنسان أن يجعل كلامه مفيداً بل في كلامه السوء و الشر فإنّ سكوتَه أفضل فكثرة كلامه تؤدي به إلى النّار، و من كانت عادته كثرة الكلام فليحاول أن يعالج نفسه تدريجيا للتخلص من هذه العادة، بالتأني و التثبت قبل إخراج الكلام، و استبدال الكلام السلبي بآخر مفيد، أو بالسكوت و الصمت، و الاستمرار بذلك حتى التخلص من هذه العادة.

  1- نهج البلاغة، حكمة 349
  2- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص510 (قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى اَلرِّضَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِنْ أَمْثَالِ اَلْأَنْبِيَاءِ إِلاَّ قَوْلُ اَلنَّاسِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ).
  3- سورة البقرة، آية 191
  4- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج68، ص290
  5- كنز العمال، المتقي الهندي، ج ٣، ص ٦٤١، حكم النبي الأعظم ( ص )، ج ٧، محمد الريشهري، ص ٤٩٦
  6- غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٦٥
  7- الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، ج ٢، ص ٤٥، وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي، ج١٢، ص ١٨٨
  8- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج75، ص55
  9- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج75، ص 127
  10- نهج البلاغة، حكمة 382
  11- مختصر بصائر الدرجات، حسن بن سليمان الحلي، ص ٢١٢، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج53، ص115
  12- تفسير الإمام العسكري (ع)، المنسوب إلى الإمام العسكري (ع)، ص ٢٥، الاحتجاج، الطبرسي، ج2، ص319، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج89ص242، ج68ص229،ج71ص155

المقال يمثل رأي الكاتب وليس بالضرورة ان يمثل رأي المركز