لا تزال الذاكرة العراقية تحتفظ بصورٍ دامية لحقبةٍ اتسمت بالقمع والاستبداد، حين ارتكب النظام البعثي الصدامي سلسلة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة بحق أبناء الشعب العراقي، طالت مختلف مكوناته الدينية والقومية والاجتماعية. وقد شكّلت تلك الجرائم واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ العراق الحديث، لما خلّفته من مآسٍ إنسانية عميقة وآثارٍ اجتماعية ما تزال حاضرة في وجدان العراقيين حتى اليوم.
لقد اعتمد ذلك النظام سياسة القمع الممنهج ضد المواطنين، مستخدماً أدوات العنف والبطش لإخماد أي صوتٍ معارض، فشهدت البلاد موجات من الاعتقالات التعسفية والإعدامات الجماعية والتهجير القسري، فضلاً عن استهداف النخب العلمية والدينية والفكرية، فضلا عن الشعائر والممارسات والطقوس الدينية والأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة ببنية المجتمع العراقي ومؤسساته.
ومن أبرز تلك الجرائم ما ارتُكب في مدينة حلبجة عام 1988، حين أقدم النظام على قصف المدينة بالأسلحة الكيمياوية المحرّمة دولياً، في جريمة هزّت الضمير الإنساني العالمي، وأسفرت عن استشهاد الآلاف من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن آلاف المصابين الذين عانوا آثاراً صحية ونفسية طويلة الأمد. وقد أصبحت هذه الجريمة رمزاً لمأساة إنسانية جسّدت حجم العنف الذي مارسه النظام ضد شعبه.
كما شهدت مناطق واسعة من شمال العراق حملات عسكرية عُرفت بعمليات الأنفال، والتي استهدفت القرى الكردية خلال أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأسفرت عن تدمير آلاف القرى وتهجير سكانها، فضلاً عن اختفاء عشرات الآلاف من المدنيين الذين ما زال مصير الكثير منهم مجهولاً حتى اليوم. وقد اعتُبرت هذه العمليات من قبل العديد من الهيئات الدولية جريمة إبادة جماعية لما رافقها من قتلٍ واسع النطاق وتهجير قسري للسكان.
وفي سياق الجرائم ذاتها، كشفت السنوات التي أعقبت سقوط النظام عام 2003 عن انتشار المقابر الجماعية في مناطق مختلفة من العراق، والتي ضمّت رفات آلاف الضحايا الذين أُعدموا أو قُتلوا دون محاكمات عادلة. وقد شكّلت هذه المقابر أدلة دامغة على حجم الانتهاكات التي تعرّض لها العراقيون، وشواهد تاريخية على مرحلةٍ اتسمت بالظلم والاستبداد.
ولم يكن جنوب العراق بعيداً عن تلك المآسي، إذ شهدت مدنه عام 1991 أحداث الانتفاضة الشعبانية التي عبّر فيها العراقيون عن رفضهم للظلم والاستبداد، غير أن النظام آنذاك واجهها بقمع دموي شديد، استخدمت فيه مختلف وسائل القوة العسكرية، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين المدنيين، إضافة إلى موجات واسعة من الاعتقالات والإعدامات.
كما طالت سياسات القمع عدداً كبيراً من العلماء والمفكرين ورجال الدين، إذ تعرّض الكثير منهم إلى الاعتقال أو الاغتيال أو الإقصاء القسري، في محاولة لإضعاف الحياة العلمية والفكرية في البلاد، الأمر الذي حرم العراق من طاقات علمية كبيرة كان لها دور مهم في بناء المجتمع وتقدمه.
إن استذكار هذه الجرائم لا يأتي بدافع استحضار الألم فحسب، بل يحمل في طياته مسؤولية تاريخية وأخلاقية لتوثيق الحقيقة وصون الذاكرة الوطنية، بما يسهم في ترسيخ الوعي لدى الأجيال بأهمية حماية الإنسان وكرامته ورفض الاستبداد بكل أشكاله.
وفي هذا السياق، يواصل مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة جهوده العلمية والبحثية في توثيق تاريخ العراق الحديث وتسليط الضوء على القضايا التي شكّلت محطات مفصلية في مسيرته، إيماناً بأهمية حفظ الذاكرة الوطنية واستلهام الدروس من الماضي لبناء مستقبل قائم على العدالة والكرامة الإنسانية.
فإن دماء الضحايا التي روت أرض العراق ستبقى شاهداً على تلك المرحلة القاسية من تاريخه، ودافعاً مستمراً للعمل من أجل مجتمع تسوده العدالة ويحفظ كرامة الإنسان، كي لا تتكرر مثل تلك المآسي مرة أخرى.