تمثّل الحمّامات التقليدية إحدى الظواهر الاجتماعية البارزة في المجتمعات الإسلامية، حيث تجاوز دورها الوظيفة الصحية البحتة ليشمل أبعادًا اجتماعية وثقافية متداخلة. فقد حظيت هذه المؤسسات بإقبالٍ ملحوظ،
وتكشف المصادر عن جملة من العادات المرتبطة باستخدام الحمّام، من أبرزها ما يتصل بطقوس ما بعد الولادة، إذ جرت العادة أن تقصد المرأة الحمّام بعد مرور سبعة أيام على ولادتها، مصحوبةً بوالدة الطفل – إن كانت على قيد الحياة – وعدد من القريبات والصديقات، وهنّ يحملن معهنّ الفواكه لإضفاء أجواء احتفالية داخل فضاء الحمّام، في دلالة واضحة على البعد الاجتماعي والاحتفالي لهذه الممارسة.
أما من الناحية التقنية، فقد اعتمدت الحمّامات التقليدية في تشغيلها على نظام تسخين يقوم على وجود موقد سفلي (الكورة) يُغذّى بالحطب، حيث تُلقى فيه المواد القابلة للاحتراق لتوليد الحرارة اللازمة لتسخين المياه وأرضية الحمّام. وتشير الروايات إلى أن الوقود المستخدم قديمًا لم يقتصر على الحطب، بل شمل أيضًا ما يُعرف بـ”الزبل”، وهو روث الحيوانات الذي كان يُجمع من إسطبلات الخيل والحمير والبغال ويُكدّس في مواضع خاصة لاستخدامه وقودًا. ومع تطور الزمن، شهدت هذه الوسائل تحولات ملحوظة، حيث استُبدل الحطب بالنفط الأسود، ثم بالكيروسين، وصولًا إلى استخدام الغاز في الحمّامات الحديثة ذات التنظيم العصري.
وقد حازت مدينة كربلاء شهرة خاصة بكثرة حمّاماتها التقليدية منذ القدم، إذ استمر عدد منها في أداء وظيفته حتى الوقت الحاضر، في حين اندثر بعضها الآخر نتيجة التحولات العمرانية والتوسع الحضري الذي شهدته المدينة، ولا سيما مع فتح الشوارع الحديثة.
ومن النماذج البارزة لهذه الحمّامات “حمّام المالح”، المعروف أيضًا بحمّام موسى بن جعفر، الواقع في محلة باب الطاق. وتكمن أهميته في كونه شاهدًا تاريخيًا يعود بناؤه إلى القرن العاشر الهجري، فضلًا عن ارتباطه بروايات تاريخية تشير إلى ارتياد شخصيات معروفة له، وما كانت تدفعه من أجور لقاء خدماته، الأمر الذي يعكس جانبًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذه المؤسسة.
ويمكن القول، في ضوء ما تقدم، إن الحمّامات التقليدية تمثل بنية اجتماعية متكاملة، تجمع بين الوظيفة الصحية والممارسات الثقافية، وتعكس في الوقت ذاته تطور التقنيات المستخدمة في الحياة اليومية عبر الحقب التاريخية المختلفة.
المصدر : سلمان هادي ال طعمة - كربلاء في الذاكرة ص363