تُعدّ الشوارع المحيطة بالعتبات المقدسة في مدينة كربلاء جزءاً من البنية الحضرية التاريخية للمدينة، إذ لم تكن مجرد ممرات للحركة، بل كانت فضاءات اجتماعية واقتصادية وثقافية تشكلت فيها ملامح الحياة اليومية لسكان المدينة وزائريها. ومن بين تلك الشوارع يبرز شارع علي الأكبر بوصفه واحداً من الشوارع التراثية التي ارتبطت بذاكرة المكان قبل أن تتغير ملامحه نتيجة التوسعات العمرانية التي شهدتها منطقة ما بين الحرمين في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
كان شارع علي الأكبر يمتد بمحاذاة منطقة ما بين الحرمين من جهة شارع الإمام علي (عليه السلام)، ويبدأ من باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ليتصل عبر شبكة من الأزقة والسكك بمنطقة ما بين الحرمين الحالية. وبهذا الموقع كان الشارع يمثل محوراً حيوياً يربط بين الحركة الدينية المتمثلة بالزائرين، والحركة الاقتصادية المتمثلة بالأسواق والمحال التجارية المنتشرة فيه، وهو ما يعكس طبيعة التخطيط الحضري في المدن الدينية، حيث تتداخل الوظيفة الدينية مع الوظيفة التجارية والسكنية في نسيج عمراني واحد.¹
وقد تفرع من الشارع عدد من الأزقة (الدرايبن) التي كانت تؤدي إلى مرافق دينية وتجارية مهمة، مثل جامع الأحمدية وجامع الصافي، فضلاً عن اتصالها المباشر بمنطقة ما بين الحرمين. وتُظهر هذه التفرعات طبيعة النسيج العمراني التقليدي لمدينة كربلاء، الذي يقوم على الأزقة المتعرجة والممرات الضيقة التي تتفرع من الشوارع الرئيسة، وهو نمط عمراني شائع في المدن الإسلامية التقليدية، حيث يحقق التظليل، ويعزز الروابط الاجتماعية بين السكان.²
كما ضم الشارع عدداً من المباني البارزة، ومن بينها فندق «جار العباس» الذي كان من الأبنية المرتفعة نسبياً في تلك المرحلة، ويقع بالقرب من باب القبلة العباسية، مما يدل على ازدهار النشاط الفندقي في المنطقة القريبة من العتبات المقدسة، نتيجة تزايد أعداد الزائرين، ولا سيما في مواسم الزيارات الكبرى.³
وعلى المستوى الاقتصادي، كان الشارع يضم مجموعة متنوعة من المحال التجارية التي عكست طبيعة النشاط الاقتصادي في مركز مدينة كربلاء، حيث تنوعت المهن بين بيع الأحذية والساعات والملابس والسبح والترب والسجاد، إضافة إلى محال التصوير والمطاعم والمرطبات. ويشير هذا التنوع إلى أن الشارع كان يمثل سوقاً متخصصاً نسبياً بالبضائع التي يقصدها الزائرون، إلى جانب كونه سوقاً يخدم سكان المدينة، وهو ما ينسجم مع طبيعة اقتصاد المدن الدينية القائم على التجارة والخدمات المرتبطة بالزيارة.⁴
ومن المعالم القريبة من نهاية الشارع سوق الصفافير، وهو من الأسواق الحرفية المعروفة في كربلاء، حيث كانت تُصنع فيه الأواني المنزلية النحاسية مثل القدور والمصاخن والطشوت، وهي من الحرف التقليدية التي ارتبطت بالأسواق القديمة في المدن العراقية. كما كان بالقرب من الشارع سبيل ماء ومكتبة، وهو ما يعكس ارتباط الفضاء الخدمي (الماء، الكتب، الضيافة) بالفضاء الديني المحيط بالعتبات المقدسة، في صورة تعكس الطابع الخدمي لمدينة كربلاء بوصفها مدينة زيارة.⁵
لقد تعرضت منطقة شارع علي الأكبر إلى تغييرات عمرانية كبيرة ضمن مشاريع التوسعة الخاصة بمنطقة ما بين الحرمين، مما أدى إلى إزالة أجزاء كبيرة من النسيج العمراني القديم، بما في ذلك الأزقة والدور والمحال القديمة. ومع ذلك، ما يزال الشارع حاضراً في الذاكرة الاجتماعية لسكان كربلاء، بوصفه جزءاً من تاريخ المدينة الحديث، ومرحلة من مراحل تطورها العمراني، حين كانت الشوارع تمثل فضاءات اجتماعية متكاملة، تجمع بين السكن والعمل والتجارة والعلاقات الاجتماعية في إطار مكاني واحد.
ومن هنا فإن دراسة شارع علي الأكبر لا تندرج ضمن التوثيق المكاني فحسب، بل ضمن دراسات التاريخ الاجتماعي والعمراني لمدينة كربلاء، لما يمثله من نموذج للشارع التقليدي المرتبط بالعتبات المقدسة، والذي يجمع بين الوظيفة الدينية والاقتصادية والاجتماعية في آن واحد.
المصدر :
1. سلمان هادي آل طعمة، تراث كربلاء، مطبعة الغري، كربلاء، ص 134–140.
2. جعفر الخليلي، موسوعة العتبات المقدسة – قسم كربلاء، ج6، ص 95–105.
3. محمد حسين الكليدار، مدينة الحسين (مختصر تاريخ كربلاء)، ص 110–118.
4. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج1، ص 210–225 (عن الأسواق والمهن في المدن العراقية).
5. عبد الجبار ناجي، تاريخ المدن العراقية، ص 55–70 (عن النسيج العمراني للمدن التقليدية).