فيّ مدينة كربلاء ، حيث تلتقي أنفاس الزهد بهدير الفكر، لم تكن البيوت العامرة بالعلماء مجرد مساكن، بل خزائن نور ومواضع أثر، تحتضن بين جدرانها مخطوطات نادرة وكلمات خالدة.
ومن بين هذه البيوت المباركة، يسطع اسم سماحة العلامة آية الله السيد عباس الحسيني الكاشاني (1350 هـ – 1431 هـ)، الذي وُلد في كربلاء وعاش فيها طالب علم، ومعلّماً، ومؤلفاً، ومقيماً للجماعة في الصحن الحسيني الشريف.كان السيد الكاشاني واحداً من أولئك العلماء الذين لم يرضوا أن يمرّوا في طريق الحياة من غير أن يخلّفوا وراءهم إرثاً علمياً يعين الأجيال على السير، فكان من أبرز بصماته العلمية تأسيسه، بالتعاون مع نخبة من الأخيار، مكتبة أبي الفضل العباس "عليه السلام"، والتي اتخذت لها من داره في كربلاء مقراً، فكانت منارات المخطوطات تضيء رفوفها.
وقد نال هذه المكتبة شرف العناية من الباحث والأديب الدكتور "حميد مجيد هدو" في ستينات القرن الماضي، حيث قام بفهرسة نصف مخطوطاتها التي كانت آنذاك نحو (165) مخطوطة وطبعت جهوده في كتاب صدر سنة 1385هـ/1966م، واعتُمد ترتيبه الأبجدي ليكون مرجعاً علمياً للمهتمين.
ومع اضطرار السيد الكاشاني للهجرة، وحرصاً منه على الحفاظ على هذا الكنز، أودع مكتبته أمانة لدى أسرة كربلائية كريمة حتى زوال حقبة القمع الطائفي.
وعند بزوغ فجر الحرية، أوصى سماحته بوقفها لسيد الشهداء "عليه السلام"، فأُودعت بأمانة في مكتبة الروضة الحسينية المطهّرة، لتصبح أحد درر مقتنياتها الخطية، وقد وثّقت نشرة "الأحرار" الصادرة عن العتبة الحسينية هذا الحدث بتاريخ 16 ربيع الأول 1433هـ.
وانطلاقًا من رسالة مركز كربلاء للدراسات والبحوث في حفظ التراث وخدمة الباحثين، قرر المركز إعادة طباعة فهرس مخطوطات مكتبة السيد الكاشاني – كما أعدّه الأديب هدو – ليكون في متناول أيدي الأكاديميين وطلبة الحوزات، ورافداً جديداً لحركة البحث العلمي في العالم الإسلامي.
المصدر: حميد مجيد هدو، مخطوطات كربلاء المقدسة، القسم الأول، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، ص9-10.