في سجلّ الرجال الذين نهضوا من رماد الفاجعة ليكتبوا بدمهم فصول الثأر لدم الإمام الحسين (عليه السلام)، يبرز اسم المجاهد "صخير المزني" واحداً من أعمدة ثورة التوابين، ومن الوجوه التي حوّلت الندم إلى فعل، والولاء إلى تضحية.
ينتمي "صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني" إلى بيتٍ عُرف بالمكانة والوجاهة، وكان من موالي أهل البيت (عليهم السلام) ومن الشجعان المعروفين في قومه. وقد ربطته علاقة قرب وثقة بالقائد الكبير "سليمان بن صرد الخزاعي"، قائد ثورة التوابين، الذي وجد في "المزني" قائداً ميدانياً يعتمد عليه ساعة الحسم.
ومع بدء الإعداد للثورة على الحكم الأموي الجائر، كان صخير المزني في طليعة المستجيبين. فلم يتردد حين عُرضت عليه فكرة الخروج، فالدم الذي سُفك في كربلاء لم يكن قابلاً للنسيان. ليلتحق بالجيش المتجمع في معسكر "النخيلة"، حيث كان التوابون يشدّون الرحال نحو الحدود العراقية–السورية، لمواجهة الجيش الأموي الذي قاده عبيد الله بن زياد، أحد أبرز المتورطين في جريمة كربلاء.
وهناك، عند أرضٍ ستُعرف لاحقاً باسم "عين الوردة"، وقبل أن تتقاطع السيوف، وقف القائد سليمان بن صرد يخاطب مقاتليه. وبعد كلمته، تقدّم صخير المزني ليُلقي خطاباً سيبقى شاهداً على نقاء الدافع وصدق النيّة. بكلماتٍ مقتضبة وحاسمة، أعلن أن الخروج ليس طلباً لدنيا ولا لغنيمة، بل توبةً من الذنب، وطلباً لدم ابن بنت النبي (صلوات الله عليهم)، وأن الطريق ليس مفروشاً بالمال، بل بحدّ السيوف وأطراف الرماح.
ما إن انتهى من كلمته حتى دوّت أصوات المقاتلين من كل جانب: "لسنا نطلب الدنيا، وليس لها خرجنا". ثم اندفع المزني إلى ساحة القتال يقود مجموعة من الشجعان، ليبدأ فصلٌ من المواجهة العنيفة. فانقضّ على مواقع الجيش الأموي، وكان جلّ من واجههم ممن شاركوا في قتال الإمام الحسين (عليه السلام)، فكان الثأر حاضراً والذاكرة متّقدة.
ووفقاً للمصادر المنشورة عبر موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، فقد سطّر صخير المزني ملحمةً تلو أخرى، وأوقع خسائر كبيرة في صفوف خصومه، حتى دبّ الرعب في قلوبهم. ومع تصاعد تأثيره في المعركة، صدر الأمر بتكثيف الهجوم عليه. فتوافدت عليه السهام والضربات من كل صوب، فأصيب إصابة بالغة انتهت باستشهاده، ليختم حياته كما بدأها ثابتاً على العهد، صادقاً في الطلب.
وحين بلغ خبر استشهاده القائد سليمان بن صرد، خيّم الحزن والأسى على المعسكر، لكن الحزن لم يطل. فسرعان ما تحوّل إلى هجومٍ صاعق استهدف من شاركوا في قتله، فتمت ملاحقتهم والقضاء عليهم، في مشهدٍ جسّد معنى الوفاء لدم الشهداء.
هكذا بقي صخير المزني رمزاً من رموز الثأر الحسيني الواعي، ورجلاً اختار أن يدفع ثمن الموقف كاملاً، ليؤكد أن كربلاء لم تكن نهاية القصة، بل بدايتها.
المصدر: زميزم، سعيد رشيد، رجال ثأروا لدم الحسين، مركز كربلاء للدراسات والبحوث، 2021، ص39-41.