تمثّل مدينة كربلاء عبر تاريخها الطويل حاضنةً للشعر الديني والوجداني، حيث تماهى الإبداع مع العقيدة، وكان للشعراء دور بارز في توثيق المأساة الحسينية وإبقائها حيّة في الذاكرة والوجدان، ومن بين هؤلاء الشعراء يبرز اسم الشيخ "أحمد البغدادي الحائري" بوصفه واحداً من الأصوات الشعرية التي صاغت كربلاء شعراً، وجعلت من الحسين (عليه السلام) محوراً للقصيدة والرسالة.
ولد الشيخ "أحمد بن الشيخ درويش علي بن حسين بن علي بن محمد البغدادي" في كربلاء سنة 1262هـ، وعاش فيها حتى وفاته سنة 1329هـ، ليكون ابن المكان روحاً وفكراً ولغة.
نشأ البغدادي في بيئة علمية وأدبية، فجمع بين المعرفة الدينية والموهبة الشعرية، وانعكس ذلك بوضوح في قصائده التي اتسمت بالقوة البلاغية، وصدق العاطفة، وعمق الالتزام بقضية أهل البيت (عليهم السلام)، كما عرف بتحوّل شعره إلى مرآة دامعة لواقعة الطف، تنقل تفاصيلها لا بوصفها حدثاً تاريخياً فحسب، بل جرحاً إنسانياً مفتوحاً عبر الزمن. حيث امتاز أسلوبه باستنهاض الوجدان، ومخاطبة الضمير، وربط المأساة الحسينية بالقيم الكبرى للعدل والحق والرفض.
وإلى جانب شعره، ترك الشيخ أحمد البغدادي إرثاً علمياً وأدبياً مهماً، فكان من أبرز مؤلفاته كتاب "كنز الأديب في كل فن عجيب" الذي جاء في عدة أجزاء، إلى جانب "إرشاد الطالبين"، و"رسالة في غيبة الحجة"، وكتاب "الدرة البهية"، وهي مؤلفات تعكس سعة اطلاعه وتنوع اهتماماته بين الأدب والعقيدة والفكر.
وفي إحدى قصائده الحسينية، يرسم البغدادي مشهداً بالغ التأثير لواقعة كربلاء، مستحضراً عطش الطفل، ووحشية القتل، ومظلومية الإمام الحسين (عليه السلام)، بلغة دامعة وصور شعرية تهزّ الوجدان، حيث تتحول القصيدة إلى صرخة احتجاج ومرثية كونية تشارك فيها الأرض والسماء، ويصورة لا تكتفي معها هذه الأبيات برثاء الحسين، بل تضع المتلقي أمام سؤال أخلاقي دائم، وهو كيف أن لا تدمع عين، ولا يتصدع قلب، أمام هذه الفاجعة؟
يمثل الشيخ أحمد البغدادي نموذجاً للشاعر الكربلائي الذي لم ينفصل شعره عن قضيته، ولم تكن القصيدة عنده ترفاً لغوياً، بل موقفاً ورسالة، ومن خلال ما وثقته موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، يتجلى هذا الشاعر بوصفه جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية للمدينة، وصوتاً من أصواتها التي ما زالت تتردد في مواسم العزاء، وفي وجدان كل من يقرأ شعر الحسين بوعي ومحبة وولاء.
المصدر: نور الدين الشاهرودي، النخبة من أدباء كربلاء، 2005، ص30-31.