شهد لواء كربلاء، منذ أواخر القرن التاسع عشر، سلسلة متغيرات إدارية مهمة أسهمت في إعادة تنظيم وحداته الإدارية وتحديد ارتباطاتها، في سياق التحولات الإدارية التي اعتمدتها الدولة العثمانية آنذاك.
وتكشف المعلومات الموثقة في موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، عن مراحل دقيقة من الاستحداثات التي كان لها أثر مباشر في البنية الإدارية للواء، فمع قرب إنتهاء عام 1877م، بدأت ملامح التغيير الإداري تظهر في لواء كربلاء، عبر استحداث وحدات جديدة استهدفت تنظيم الإدارة المحلية وتسهيل شؤون الحكم.
وبيّنت الموسوعة أن من أبرز هذه الخطوات هو تشكيل ناحية الكوفة عام 1879م، التي أُلحقت إدارياً بقضاء النجف، في مؤشر على إعادة توزيع الصلاحيات الإدارية بما يتلاءم مع الواقع السكاني والجغرافي آنذاك.
وفي عام 1895م، شهد قضاء الهندية تحولاً لافتاً باستحداث عشر مقاطعات إدارية عُرفت باسم "قول معشر لري"، وكانت تُدار إدارياً على غرار النواحي، حيث ربطت هذه المقاطعات بناحية الكفل، وضمت مناطق متعددة من بينها هور الدخن، وأبو نفاش، وحرقا، ومسيعيدة، وآل فتلة، وكعبوري، وأبو روبة، ومنفهات، ومشورب الشرقي، ومشورب الغربي، وقد عكست هذه الخطوة اتساع النشاط الزراعي والسكاني، والحاجة إلى تنظيم إداري أكثر مرونة.
أما عام 1900م فقد شكّل محطة مفصلية في تاريخ الوحدات الإدارية المرتبطة بلواء كربلاء، مع رفع الدرجة الإدارية لهور الدخن من مقاطعة إلى ناحية مستقلة، ولم يقتصر التغيير على التسمية، بل شمل فك ارتباطها الإداري من قضاء الهندية وإلحاقها بقضاء النجف الأشرف، بقرار إداري مرّ عبر سلسلة من الإجراءات الرسمية، بدءاً من مجلس إدارة ولاية بغداد، وصولاً إلى الجهات العليا في الدولة العثمانية.
وقد تُوّج هذا المسار الإداري بإصدار إرادة سلطانية قضت بتنفيذ قرار الإلحاق، لتباشر وزارة الداخلية آنذاك بإبلاغ ولاية بغداد بتطبيقه رسمياً، ما يعكس أهمية الموقع الإداري لهور الدخن ودورها ضمن خارطة النفوذ الإداري في المنطقة.
تعكس هذه الاستحداثات والمتغيرات الإدارية طبيعة التفاعل بين الواقع المحلي والسياسات الإدارية العليا، وتبرز كيف أسهمت كربلاء، ضمن محيطها الإداري، في تشكيل نموذج مبكر لإدارة المناطق وفق اعتبارات سكانية واقتصادية وأمنية، وهو ما يمنح هذه التحولات أهمية خاصة في دراسة التاريخ الإداري للمدينة ولوائها.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية، المحور التاريخي، الوثائق العثمانية، ج1، 2017، ص56.