تُعدّ الطيقان من العناصر المعمارية التي شكّلت جزءاً مهماً من الملامح العمرانية لمدينة كربلاء القديمة، إذ كانت تنتشر في أزقة المدينة وأحيائها السكنية، مشكلةً معالم بارزة تدل على تاريخها الحضاري وطبيعة عمرانها التقليدي. والطاق – وجمعه طيقان أو طاقات – يُطلق في اللغة على ما عُقد من الأبنية على شكل قوس أو عقد معماري، كما في القناطر والنوافذ، وقد ورد في مختار الصحاح أن الطاق هو ما عُقد من الأبنية، وجمعه الطاقات والطيقان، ويُرجَّح أن أصل الكلمة فارسي معرَّب دخل إلى العربية واستُخدم للدلالة على هذا النمط من البناء.
وعلى الرغم من أهمية هذه المعالم العمرانية، فإن كتب التاريخ القديمة لم تتناول الطيقان في كربلاء بالتفصيل، ولم تُشر إلى أسمائها أو تاريخ إنشائها بصورة واضحة، الأمر الذي جعل كثيراً من أخبارها غير موثّق إلا في حدود ما وصل إلينا من الروايات والمشاهدات. وقد كانت هذه الطيقان حتى ستينيات القرن العشرين شاخصة في عدد من أحياء المدينة، وتحمل أسماء الأسر الكربلائية التي شُيِّدت بالقرب من دورها، إلا أن التطورات العمرانية التي شهدتها كربلاء في العقود الأخيرة أدت إلى اندثار معظمها.
وتتشابه الطيقان في كربلاء من حيث الشكل العام، إذ تُبنى على هيئة عقد يربط بين مبنيين متقابلين فوق الطريق، لتشكّل ممراً يمر منه الناس. وكانت هذه الطيقان تُشيَّد بارتفاعات مختلفة تبعاً لموقع الدار وطبيعة البناء، مع وجود تقارب كبير في مقاييس الطول والعرض والارتفاع. أما المواد الإنشائية المستخدمة في بنائها فكانت في الغالب من الطابوق الفرشي والجص، وهما من المواد التقليدية الشائعة في عمارة المدينة.
كما كانت بعض الطيقان تعلوها غرف سكنية تعود إلى أصحاب الدور المجاورة، وتفتح فيها نوافذ أو شبابيك تُعرف بالأراسي لتوفير الإنارة والتهوية. وغالباً ما كانت هذه النوافذ تُزيَّن بمزهريات النباتات والورود على الشناشيل المطلة على الطريق، وهي عناصر معمارية ارتبطت بتقاليد العمارة العباسية ثم تطورت في العصر العثماني.
وقد حرص بعض المعماريين في الماضي على رفع سقف الطاق نسبياً للسماح بدخول مزيد من الضوء إلى الطريق المار تحته. وفي حالات معينة كان الطاق يتعرض للتخلخل نتيجة الضغط الإنشائي، فيُدعَّم بما يُعرف بـ«الدنك»، وهي أعمدة خشبية توضع لإسناده وتقليل الثقل الواقع عليه.
ويُذكر أن هذا النوع من الأبنية ظهر في العراق وانتشر في بعض المدن المجاورة، إلا أن استخدامه تراجع في الفترات اللاحقة بعد ظهور أنماط معمارية جديدة أكثر تطوراً في العمارة الإسلامية. ويرى بعض الباحثين أن السبب في قلة استعماله يعود إلى محدودية قدرته على تحمّل الأوزان الكبيرة وتوزيعها، خصوصاً في الأبنية التي تعلوها القباب.
ومن بين الطيقان التي اشتهرت في كربلاء طاق الزعفراني، الذي كان يُعد من أبرز المعالم الدالة على محلة باب الطاق. وعلى الرغم من عدم معرفة تاريخ تشييده على وجه الدقة، فإن تسميته تعود إلى السيد مصطفى الزعفراني، أحد رجالات كربلاء المعروفين، والذي ارتبط اسمه بواقعة المناخور سنة 1241هـ / 1825م.
ويقع طاق الزعفراني على مسافة تقارب 180 متراً من باب السلطانية المؤدي إلى صحن الإمام الحسين (عليه السلام)، بالقرب من ديوان السادة آل ثابت. ويبلغ طول الطاق نحو 20 متراً، وارتفاعه ثلاثة أمتار، وعرضه ثلاثة أمتار، وقد شُيّد باستخدام الطابوق الفرشي والجص. وتعلوه غرفتان تتصل بهما شبابيك الأراسي لتوفير الإضاءة والتهوية، وفوقهما غرفتان أخريان
وقد طرأت على الطاق عدة تغييرات وإصلاحات عبر الزمن، إذ جرى ترميمه أكثر من مرة، قبل أن يُهدم البناء سنة 1991م. وفي عام 2005م أعيد تشييده.
 وكانت الأرض التي يقع عليها الطاق تُعرف قديماً باسم «بيت القوام»، نسبة إلى شخصية عُرفت باسم قوام السلطنة، وهو أحد رؤساء وزراء إيران السابقين. وفي وقت لاحق انتقلت ملكية الدار إلى السيدين علي وعباس نجلي المرحوم السيد حسين عبد الغفور آل طعمة، حيث قاما بترميمه وصيانة الطاق وما يحيط به
ومع مشاريع التوسعة التي شهدها الصحن الحسيني الشريف في السنوات الأخيرة، جرى استثمار موقع الطاق ضمن المخططات العمرانية التي تنفذها العتبة الحسينية، علماً أن البناء كان قائماً أصلاً على أرضية طينية صلبة مضغوطة.
وهكذا تمثل الطيقان في كربلاء صفحة مهمة من تاريخها العمراني، إذ كانت شاهداً على أسلوب البناء التقليدي وعلى الحياة الاجتماعية في أحياء المدينة القديمة. ومع اندثار معظم هذه المعالم بفعل الزمن والتوسع العمراني، تبقى الحاجة قائمة لتوثيقها ودراستها بوصفها جزءاً من التراث الحضاري للمدينة.
المصدر : معجم المعالم التراثية في كربلاء ، سلمان هادي ال طعمة ص 81 ، ص84