تُعد وصية علي بن أبي طالب (عليه السلام) قبل استشهاده من النصوص المهمة في التراث الإسلامي، لما تحمله من مضامين أخلاقية واجتماعية تعكس عمق رؤيته في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع. وقد صدرت هذه الوصية في الأيام الأخيرة من حياته، بعد أن تعرّض للضربة التي وجّهها إليه عبد الرحمن بن ملجم أثناء صلاة الفجر في مسجد الكوفة سنة 40 للهجرة، وهي لحظات جسدت فيها شخصية الإمام أسمى معاني المسؤولية الدينية والإنسانية.
وقد وجّه الإمام وصيته إلى ولديه الحسن بن علي والحسين بن علي (عليهما السلام)، وإلى عموم الأمة الإسلامية، مؤكداً فيها جملة من المبادئ التي تمثل ركائز أساسية في حياة الفرد والمجتمع. ومن أبرز ما جاء فيها قوله: «أوصيكما بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم»، وهي كلمات تختزل مشروعاً أخلاقياً متكاملاً يقوم على أساس التقوى بوصفها الضابط الأعلى للسلوك الإنساني، وعلى ضرورة تنظيم شؤون الحياة بما يحقق الاستقرار الاجتماعي، فضلاً عن الدعوة إلى إصلاح ذات البين لما له من أثر كبير في حفظ وحدة المجتمع.
كما تضمنت الوصية تأكيداً واضحاً على رعاية الفئات الضعيفة في المجتمع، ولا سيما الأيتام، إذ قال الإمام (عليه السلام): «الله الله في الأيتام، فلا تُغِبّوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم». ويعكس هذا التوجيه اهتمام الإمام ببناء مجتمع يقوم على التكافل والعدالة الاجتماعية، حيث تُصان فيه حقوق الضعفاء وتُحفظ كرامتهم.
وفي جانب آخر من وصيته، شدد الإمام على أهمية الالتزام بالقرآن الكريم والعمل بتعاليمه، قائلاً: «الله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم». ويُفهم من هذا التأكيد أن القرآن ليس مجرد نص يُتلى، بل هو منهج حياة ينبغي أن ينعكس أثره في سلوك الأفراد وفي بناء المجتمع.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الوصية موقف الإمام من قاتله، إذ أوصى أبناءه وأتباعه بعدم تجاوز حدود العدالة، فقال: «يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون قُتل أمير المؤمنين». ويجسد هذا الموقف قمة الالتزام بالمبادئ الإسلامية في العدل وضبط النفس، حتى في أحلك الظروف، الأمر الذي يعكس سمو أخلاق الإمام وحرصه على عدم تحويل المأساة إلى سبب للانتقام أو الفتنة.
إن وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) تمثل وثيقة أخلاقية وإصلاحية ذات أبعاد إنسانية عميقة، إذ تجمع بين الدعوة إلى التقوى، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتعزيز روح الإصلاح والوحدة بين المسلمين. ولذلك بقيت هذه الوصية حاضرة في الفكر الإسلامي بوصفها نموذجاً للقيم القيادية التي جسدها الإمام علي (عليه السلام) في حياته، والتي ما زالت تشكل مصدر إلهام للمصلحين والباحثين في التراث الإسلامي.
المصادر:
نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، باب الوصايا.
الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، لـ الشيخ المفيد.
بحار الأنوار، لـ محمد باقر المجلسي، ج42، باب وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام